نخبة من الأكاديميين
305
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
ودون تناقض مع ذلك - على تكريس وتعميق ضعف هذه الإمبراطورية من خلال الاستقطاع التدريجي والمنظَّم في أرجائها الأوروبية ، فلم تكن التوازنات الأوروبية وفقًا للمقولة الشائعة - هي التي ساعدت على بقاء الدولة العثمانية لفترة طويلة ولكن هذه التوازنات هي التي ساعدت على هذا الاستقطاع بهذه الصورة التي تتفق ومتطلبات النظام الأوروبي الدولي . والجدير بالذكر أن المصادر الغربية تتجه نحو إبراز أولوية أحد هذين النمطين ؛ وهو نمط التدخل لاحتواء الحركة الروسية المنفردة ، في حين تبرز المصادر العربية التاريخية أولوية النمط الثاني . وبالرغم من عدم التمييز الصريح والواضح في جميع هذه المصادر بين هذين النمطين ؛ إلا أن المقولة السابق طرحها تحرص على توضيح هذا التمييز . كما أن تحليل التاريخ الدبلوماسي للأزمات الثلاث وفقًا لإطار " تحليل النظم " يساعد على بيان التفاعل بين النمطين وتأثيرهما المتبادل ، وليس هنا موضع التفصيل في هذا المقام . المحور الثاني - حركة الإصلاحات العثمانية بين الضغوط الخارجية والمعارضة الداخلية : في سبيل حماية تماسك الإمبراطورية أم إحياء القوة الإسلامية وحماية الإسلام ؟ وضح مع نهاية القرن الثامن عشر م أخطار التحلل والانهيار التي تواجهها الإمبراطورية العثمانية وكانت هذه الأخطار محصلة ضعف وعدم فعالية مؤسسات النظام العثماني التي أُرسيت أركانهُا في فترة النشأة والنمو للدولة العثمانية والتي وصلت إلى أقصى درجات نموها وفعاليتها مع سليمان القانوني ، ثم سرعان ما أخذت تعاني من مظاهر الضعف والتدهور الذي وصل إلى قمته في نهاية القرن 18 تحت تأثير عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية ( كما سبق أن أشرنا ) . ولقد كانت أزمات الشرق الأوروبي السابق دراستها - من أهم النتائج ( وفي الوقت نفسه من أهم الأسباب ) للتدهور الذي حاق بعناصر قوة الإمبراطورية العثمانية خلال القرن التاسع عشر م ، ولقد كانت حركة الإصلاحات تقع على رأس السبل المتَّخذة لمواجهة أسباب وعواقب هذه الأزمات ؛ ومن ثم مواجهة ومقاومة التطور في طبيعة ودرجة الهجمة ( كما كانت أيضًا أزمات الشرق الإسلامي أداة أخرى ولو مختلفة كما سنرى ) . فيصبح السؤال المنطقي هنا : ما هو وضع حركة الإصلاحات - من حيث دوافعها ومضمونها وآلياتها وتطوراتها ونتائجها ومحدداتها - في هذا السياق تأثيرًا وتأثرًا ؟ أي ما علاقة هذه الإصلاحات بالإطار الدولي والضغوط الخارجية ؟ وهل تحققت بالفعل ؟ وهل كان ممكنًا أن تساعد على حماية تماسك الإمبراطورية ، أو على الأقل ساعدت على إطالة عمرها ؟ في البداية تجدر الإشارة إلى أن دراسة الإصلاحات العثمانية تكتسب مدلولات مهمة تبين ضرورتها من ناحية ومنطلقاتها من ناحية أخرى . وتنبثق ضرورة هذه الدراسة من أنها تعالج تحيزًا مهمًا عند دراسة " المسألة الشرقية " ؛ يتمثل في